محمد بن الطيب الباقلاني

177

الإنتصار للقرآن

الكتاب ، وأن السورة قد كملت واستقرّت وتم نظمها ورتّبت في مواضعها ، وجمعت فيها آياتها . وإذا كان ذلك كذلك وجب بهذه الجملة أن لا يكون فيما روي من هذه الأخبار حجة تدفع ما قلناه ، وأن يكون القوم الذين قالوا ذلك وخبّروا بما أخبروا به عن الاجتهاد وغلبة الظنّ وأمر غير متيقّن وعلى قدر ما سمعوه ممّن قال : حفظت جميع القرآن ، أو فلان قد حفظ جميعه ، والظنّ في هذا لا حجة فيه ، وقد يمكن أيضا أن يكون على عهد الرسول صلّى اللّه عليه خلق كثير قد حفظوا القرآن وكتموا ذلك على أنفسهم ولم يذيعوه ولا دعاهم داع إلى إظهاره والتحدّث به ، ورأوا أن كتمانه وترك المفاخرة والتّبجّح به أولى وأفضل لأجل أن التزيّن بذلك قدح في العمل وشوب ونقص يلحق صاحبه ، وإن اتفق أن يقول ذلك قائل من الصحابة فلأجل سبب يدعوه إلى ذلك غير القصد إلى التزيّن به والإخبار بكثرة علمه وعمله ، وعظم مرتبته ، هذا أولى الأمور بالصحابة . وقد روي ذلك عن جلّة منهم ، فروي أنّه قيل لعبد اللّه بن مسعود في رجل يزعم أنه قرأ القرآن / البارحة ، فقال : « ما له إلا كلمته التي قال » « 1 » . [ 93 ] وروي عن تميم الداريّ أنّ رجلا قال له : كم جزءا تقرأ ؟ فغضب تميم وقال : لعلّك من الذين يقرأ أحدهم القرآن في ليلة ثم يصبح فيقول : قرأت القرآن الليلة ! هذا شأن القوم وسجيّتهم ، فكيف يمكن مع ذلك استفاضة حال حفظة القرآن واشتهارهم به وهذه صفتهم ؟ ! وقد روي عن الحسن البصريّ أنه

--> ( 1 ) أخرجه أبو عبيد في « فضائل القرآن » ص 380 بلفظ : « حظه من قراءته كلامه » ، أو قال : « ذلك حظه من قراءته » .